السبت، 22 يونيو 2024
رئيس التحرير
فهد محمد الخزّي

الدكتور أحمد زكي عاكف وتأديب العلم

د. محمود صالح البيلي - دكتوراه في الأدب والنقد: قيض الله سبحانه وتعالى للعربية من الكتاب من جمع ...


 

 

المتواجدون على الموقع

المتواجدون الأن

55 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

أحمد علي صالح - باحث دراسات إسلامية:

الحج عبادة العمر، تلك الفريضة الدينية والركيزة الأساسية لبناء المجتمع المسلم، فهو رحلة روحية اجتماعية سياسية عالمية، ومنفعة اقتصادية للحجيج، والمنفعة تكون بالمشاهدة، قال تعالى: { لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ } (الحج:28).

الفريضة الخامسة

فالحج هو الفريضة الخامسة لفرائض الإسلام مشروطة بالاستطاعة، والحج لمن استطاع إليه سبيلا، والسبيل معناه الطريق الذي يساعد المسلم على أداء هذه الفريضة، حيث يكون «آمنا» على نفسه وبيته وماله، و«مستطيعا» أي يملك الزاد والراحلة، فائضا عن حوائجه الأصلية، على أن تكون نفقة الحج حلالا طيبا، لأن الله طيب لا يقبل إلا طيبا.

إيمان وعزيمة

وتحل الفريضة متى توافر ذلك على الفور، والفور لا يقبل التأجيل، وهي -أي فريضة الحج- تزكية للنفس وتطهير لها، ورفع لروحها المعنوية، حيث إن الإنسان يزداد قوة في إيمانه، وعزيمة على عزيمته.

ولقد فرضت هذه الفريضة على سيدنا إبراهيم، عليه السلام، عندما أشار الله تعالى إليه بهذا المكان الطاهر، قال تعالى: {وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ } (الحج:26).

بناء البيت

حتى إذا انتهى إبراهيم من بناء البيت بهذا المكان القفر، الذي لا زرع فيه ولا نبات، ولا جان ولا أنس، ناداه ربه بقوله تعالي: { وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ } (الحج:27).

وهنا نسأل كيف لسيدنا إبراهيم في هذا المكان أن ينادي البشرية وتسمعه بهذا الأذان المأمور به من قبل الله تعالى، فأمره ربه بأن يؤذن، فسمعت الأجنة في بطون أمهاتها، والخليقة في أصلابها إلى أن تقوم الساعة ولبت وقالت «لبيك اللهم لبيك»، فاعتلى إبراهيم صخرة بجوار البيت الحرام وشرع في الأذان، مناديا الناس جميعا بالحج(1) إلى هذا البيت العتيق الذي هو أول بيت وضع للناس ببكة، قال تعالى: { إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ } (آل عمران:96).

منافع الحج

من توجه إليه نالته البركة والرضوان، لأن الله تعالى كريم، يكرم ضيفه، وهم ضيوف الرحمن في بيت الله الحرام، لاذوا به واتجهوا إليه بقلوبهم وأجسادهم وأموالهم، راجين عفوه، وآملين أن يعودوا وقد فازوا بالمنافع الجمة روحيا واقتصاديا وسياسيا ودينيا.

ولا شك أن الله سبحانه وتعالى جعل البركة في هذا البيت والهداية فيه إلى أن تقوم الساعة، فطوبى لمن أحل تكلفته، وطاب مطعمه، وأخلص نيته، واتجه بقلبه إلى ربه، مصداقا لما رواه البخاري عن أبي هريرة، ]، قال: سمعت رسول الله [ يقول: «من حج لله فلم يرفث، ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه»(2).

الدرس الهادف

إن فريضة الحج، مدرسة للخير، تؤكد ضرورة الاقتداء بالقدوة والتأسي بالأسوة كما روى مسلم عن جابر بن عبدالله، ]، قال: «رأيت النبي [ يرمي على راحلته يوم النحر، ويقول: لتأخذوا مناسككم، فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه»(3).

وبالتالي فإننا نجد هذا الدرس العملي الهادف حيث دعا فيما دعا إليه إلى التدريب على لون من المثالية حيث تتم «التخلية» من الرذائل، كما تتم «التحلية» بالفضائل والكمالات وأعمال البر(4).

يقول تعالى: { الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ } (البقرة:197).

التخلي عن الرذائل

يقول ابن كثير في تفسيره موضحا مفهوم «التخلية» فيقول: «فلا رفث أي من أحرم بالحج أو العمرة فليتجنب الرفث وهو الجماع وما دونه من قول الفحش كما قال تعالى: { أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ } (البقرة:187)، وكذلك يحرم تعاطي دواعيه من المباشرة والتقبيل ونحو ذلك».

وقوله «ولا فسوق» وهي المعاصي والتنابز بالألقاب والسباب، لما ثبت في الصحيحين عن عبدالله بن مسعود أن النبي [ قال: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» (متفق عليه)(5).

أما قوله «ولا جدال في الحج» أي لا مجادلة في وقت الحج ولا تنازع في مناسكه ولا مراء ولا مخاصمة ولا إتيان القبح قولا وعملا.

التحلي بالفضائل

أما «التحلية» فقد حثهم الله عز وجل على فعل الجميل، وأخبرهم أنه عالم به، وسيجزيهم عليه أوفر الجزاء يوم القيامة، وهذا هو معنى: وما تفعلوا من خير يعلمه الله (6).

يقول ابن عباس في قوله { وَتَزَوَّدُواْ }: «كان أناس يخرجون من أهلهم ليست معهم أزودة ويقولون نحج بيت الله ولا يطعمنا» فقال الله تعالى { وَتَزَوَّدُواْ } ما يكف وجوهكم عن الناس».

وقد أخرج البخاري عن ابن عباس -أيضا- قال: «كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون ويقولون نحن المتوكلون، فأنزل الله تعالى { وَتَزَوَّدُواْ } فنهوا عن ذلك وأمروا أن يتزودوا الدقيق والكعك» (7).

اللباس الحسي والمعنوي

أما قوله { وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى } لما أمرهم بالسفر في الدنيا أرشدهم إلى زاد الآخرة وهو استصحاب التقوى إليها، كما قال تعالى: { يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ } (الأعراف:26).

ولما ذكر اللباس الحسي، نبه مرشدا إلى اللباس المعنوي، وهو الخشوع والطاعة والتقوى، وذكر أنه خير من هذا وأنفع.

قال عطاء الخرساني في قوله «فإن خير الزاد التقوى»: يعني زاد الآخرة، فعن جرير، عن النبي [ قال: «من تزود في الدنيا ينفعه في الآخرة» رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح(8).

وقوله «واتقون يا أولي الألباب» يقول: واتقون واتقوا عقابي وعذابي لمن خالفني، ولم يأتمر بأمري يا ذوي العقول والأفهام.

رسالة تربوية

إن أخلص ما نسجله لمدرسة فريضة الحج أنها صاحبة الرسالة التربوية الهادفة والبناءة، وأنها تستظل بظلال «قوة الإرادة» في مجال التربية القومية، وظلال التحمل بكل من «الصبر الوقور» من جهة، واستمرار «التكيف والاستقامة من المجتمع» كغرض تربوي أصيل من جهة أخرى.

المؤتمر الإسلامي الأعظم

وأكبر عيد يجب أن تبدو فيه الأمة المؤمنة مجتمعة هو «عيد الحج الأكبر» الذي يمثل المؤتمر الإسلامي الأعظم حيث تخرج الملايين من مشارق الأرض ومغاربها ساعين إلى ربهم ليشهدوا منافع لهم، وليذكروا اسم الله في أيام معدودات، وليوفوا نذورهم، وليطوفوا بالبيت العتيق، الذي يحتاج في زيارته إلى طهارة المظهر والمخبر، والإقبال على الله بالحس والنفس، والعمل والقول، والذكر والفكر، وبالتالي فإن شعار المسلم منذ إحرامه هو نداؤه ودعاؤه: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك».

الهوامش

1- حافظ محمد حافظ، الحج رحلة روحية ودينية، ص7، ط دار الحديث، القاهرة 2006م.

2- ابن حجر العسقلاني، فتح الباري شرح صحيح البخاري، كتاب الحج، باب فضل الحج المبرور، ص447.

3- عمر بن على ابن الملقن، غاية مأمول الراغب في معرفة أحاديث ابن الحاجب، ط جامعة الكويت، كلية الشريعة، وحدة البحوث الشرعية.

4- عبدالحليم رفاعي حجازي، فريضة الحج.. عبادة العمر ومدرسة الخير، ص8، ط دار الإيمان، المنصورة 2006م.  

5- الإمام البخاري، صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يدري، رقم (48).

6- عبدالحليم رفاعي حجازي، ص8.  

7- الإمام البخاري، كتاب الحج، باب قول الله تعالى: { وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى } (البقرة:197)، رقم (1463).

8- الإمام الهيثمي، مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، كتاب الزهد، باب التزود من الدنيا للآخرة، ص311.

 

أضف تعليق


كود امني
تحديث

جامعة ولاية سونورا بالمكسيك تمنح عبد الوهاب زايد الدكتوراه الفخرية

سونورا – الوعي الشبابي: منحت جامعة ولاية سونورا بالولايات المتحدة المكسيكية شهادة الدكتوراه ...

حسن بن محمد يكتب: العيد.. وتعزيز القيم الأسرية

حسن بن محمد - كاتب وباحث - تونس: يعتبر العيد مناسبة للفرح والاحتفال لدى كل العائلات المسلمة، وهو ...

مواجهة الإلحاد بالعلم والعقل والدين.. كتاب جديد للدكتور خالد راتب

القاهرة – الوعي الشبابي: أصدر الدكتور خالد محمد راتب، مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر ...

اتصل بنا

  • صندوق البريد: 23667 الصفاة 13097 - الكويت
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
  • 22467132 - 22470156

عندك سؤال