الخميس، 25 يوليو 2024
رئيس التحرير
فهد محمد الخزّي

الدكتور أحمد زكي عاكف وتأديب العلم

د. محمود صالح البيلي - دكتوراه في الأدب والنقد: قيض الله سبحانه وتعالى للعربية من الكتاب من جمع ...


 

 

المتواجدون على الموقع

المتواجدون الأن

446 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

 

د.المراكبي: الإسلام أبطل الجدال في الحج فاستقام أمره بلا تنازع ولا مراء

د.علي البيومي: من أسمى مظاهر وحدة الأمة الإسلامية

د. أحمد خيري: عبادة العمر وتمام الدين ومقاصد لا تحصى

د.محمد عز العرب: وقاية طبية للحجيج وضوابط لشتى الأمراض

أيمن كامل: الالتزام بالإجراءات والضوابط التي تحددها السلطات

القاهرة – الطيب حسين

عبادة الحج من التكاليف في الشرع التي تهدف إلى غايات شريفة، ومقاصد نبيلة، فهو من أجلّ العبادات وأعظمها قدرًا بمنافع دنيوية وأخروية، فالحج المبرور جزاؤه الجنة، كما أن فيه تتحقق العبودية الكاملة والتواضع الكبير لله. كما تتبدى المساواة في أجلى صورها، فلا فرق بين عربي أو أعجمي، ولا غني أو فقير، ولا أبيض أو أسود، الناس هنا سواسية كأسنان المشط.

وفيه بيان تميز التشريع الإسلامي وتفرده، ووضوح أنه قائم بنفسه، مجافيًا للعادات والتقاليد الشركية التي كانت سائدة بين العرب قبل ظهور الإسلام، تفاصيل أوفى خلال السطور التالية.

نبدأ مع الدكتور أسامة المراكبي، مدرس التفسير وعلوم القرآن بجامعة الأزهر، الذي نبه إلى زاوية غير مطروقة في الحديث عن الحج، ألا وهي مقارنة الحج في الإسلام بالحج في الجاهلية، كاشفا عن جملة من المنافع التي تعود بسلوك هذا المسلك في التعرض لشعيرة الحج، والتي منها إثبات أنه لم يكن أثرا من آثار البيئة كما يزعم المستشرقون، كما تظهر من خلاله أصالة التشريع الإسلامي وتميزه بين الأديان، لتميز مناسك الحج نفسها واستقلالها عما كانت عليه في الجاهلية، فالمتأمل في الحج حينها، يرصد مقدار الفساد الذي أحدثه الشرك في هذه العبادة، خروجا بها عن مقاصدها ومناسكها.

محق حج الجاهلية

وأكمل أستاذ التفسير بجامعة الأزهر الدكتور أسامة المراكبي، أنه بالنظر إلى مواقيت الحج في الجاهلية والإسلام مثلا، يتضح مدى عبث الجاهلية بها، فابتدعوا ما يسمى بالنسيء، يَحْرِفون به الشهور عن مواقيتها، فيؤخرون ويقدمون، ويحلون ويحرمون، فأنزل اللَّه تَعَالَى: (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ ۖ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِّيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ ۚ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) سورة التوبة:37، ولا يخفى ما يسببه ذلك النسيء من خلل في أسماء الشهور وترتيبها، حتى صاروا يدورون بالحج على الشهور كلها، ويقولون: "إن أخطأنا موضعه في عام، أصبناه في غيره".!

وأضاف المراكبي، أنهم كما أضاعوا شهر الحج في الجاهلية، أضاعوا يومه حتى كان يقول بعضهم: "الحج اليوم! "، ويقول بعضهم: "الحج غدا!"، وأضاعوا معالم نسكه فكانوا يقفون مواقف مختلفة، يتجادلون، كلهم يدعي أن موقفه موقف إبراهيم عليه السلام، كان بعضهم يقف بعرفة، وبعضهم بالمزدلفة، وكان يحج بعضهم في ذي القَعدة، وبعضهم في ذي الحِجة، وإذا اجتمعوا بمنى قال هؤلاء: "حجنا أتم من حجكم!"، وقال هؤلاء: "حجنا أتم من حجكم!، وظلوا على ذلك حتى بعث الله نبيه صلى الله عليه وسلم فحج بالناس من السنة العاشرة فبطل الجدال في الحج، واستقام أمره على وقت واحد، ومناسك متفقة، لا تنازع فيها ولا مراء.

وكشف أنه مما تجدر الإشارة إليه أيضا، الإحرام في الجاهلية، فمن أراد الحج من غَيْر أَهْل الحرم يقلد نفسه من الشعر والوبر فيأمن به إلى مكة، وإن كان من أَهْل الحرم قلد نفسه وبعيره من لحاء شجر الحرم فيأمن به حيث يذهب فهذا فِي غَيْر أشهر الحرم، فإذا كان أشهر الحرم لَمْ يقلدوا أنفسهم ولا أباعرهم وهم يأمنون حيث ما ذهبوا، كما كانوا يحرمون على أنفسهم أمورا كثيرة في الإحرام، غير معروفة السبب، مثل ابتداع الحُمْس، وهم قريش ومن ولدت من العرب وحلفاؤها، وقالوا في هذا إنه "لا ينبغي للحمس أن يسلأوا السمن وهم حرم، ولا يدخلوا بيتا من شعر، ولا يستظلوا إن استظلوا إلا في بيوت الأدَم، ثم غالوا في ذلك فقالوا: "لا ينبغي لأهل الحل أن يأكلوا من طعام جاءوا به معهم من الحل في الحرم، إذا جاءوا حجاجا أو عمارا، ولا يطوفون بالبيت إذا قدموا أول طوافهم إلا في ثياب الحمس.

وتحدث أيضا عن أمر التلبية، موضحا أنها كانت في الجاهلية خليطا عجيبا من الشرك، فيقولون: لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك"، يقولون هذا وهم يطوفون بالبيت، وربما أيضا كانت لكل قبيلة تلبية خاصة تذكر فيها آلهتها مع الله، وكان منهم من يحج مُصْمِتًا لا يتكلم حتى يفرُغ من حجه.

وكشف "المراكبي" ما كان يلحق أيضا بالرحلة من عرفات إلى المسجد الحرام، وما شابها من تحريفات وتغييرات بسبب الشرك مرة وبسبب العصبية في أخرى، فكان أهل قريش يتركون الوقوف على عرفة، والإفاضة منها، وهم يعرفون ويقرون أنها من المشاعر والحج ودين إبراهيم، ويقرون لسائر العرب أن يقفوا عليها، وكانوا يفيضون منْ عرفات قبل غروب الشمس، ويفيضون من جَمْعٍ - وهي المزدلفة - إذا طلعت الشمس، فخالف النَّبِيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم - ذلك كله.

وعن الطواف في الجاهلية، كشف أستاذ التفسير بجامعة الأزهر، أنه كان لهم طواف بالكعبة وطواف بغيرها، أما الكعبة فقد جعلوا الأصنام في جوفها ومن حولها، لكل حي من العرب صنم أو صنمان، وكانوا يفرقون في طوافهم بين الحُمْس والحِلَّة، أما الحمس، فكانوا يطوفون بالبيت في أحذيتهم وثيابهم، ولا يمسون المسجد بأقدامهم تعظيمًا لبقعته، وأما الحِلَّة وهم من دونهم من العرب فكانوا يطوفون بالبيت عراة، يقولون: "لا نطوف في ثياب عصينا الله فيها"، وبعضهم يقول: "نطوف كما ولدتنا أمهاتنا"، وقيل: يخلعونها تفاؤلا ليتعروا من الذنوب كما تعروا من الثياب، وربما طاف الرجال بالنهار والنساء بالليل، فتضع المرأة على قُبُلها خرقة أو نِسْعة أو شيئا، فإن لم تجد شيئا وضعت كفا على فرجها وكفا على دبرها تتقي به الناس.

وأكد بشأن الصفا والمروة، أنه كان منهم من لا يسعى بينهما في حج ولا عمرة، وكان منهم من يفعل ذلك، غير أنهم جعلوا على الصفا صنما يقال له "إساف"، وعلى المروة آخر يقال له "نائلة"، وهما صنمان من نحاس يستقبلان القبلة، وبينهما من الأصنام والآلهة ما لا يحصى.

وعن شأن منى، قال إن العرب كانت تبيت بها أيام التشريق، لكنهم جعلوا الناس صنفين الحاج والداج، حيث كانوا لا يرون للتجار والأُجَراء والحمالين حجا، ويسمونهم " الدَّاجّ"، فكان هؤلاء الداجُّ ينزلون في الشق الأيسر من منى، وكان الحاجُّ ينزلون عند مسجد منى، لا يتجرون.

وكشف أستاذ التفسير وعلوم القرآن بجامعة الأزهر: أما دعاء الجاهلية فكان أكثره بالدنيا وصلاحها، ولا يكادون يذكرون الآخرة، وكانوا إذا قضوا مناسكهم قعدوا حِلَقًا فذكروا صنيعَ آبائهم في الجاهلية وفَعالَهم، فيخطب خطيبهم ويُحدِّث محدثهم، فلا يزالون يتفاخرون بأنسابهم وأحسابهم، ويذكرون أيامهم في الجاهلية، فيمكثون على ذلك يومهم أجمع، ليس لهم ذكر غير فعال آبائهم.

وشدد "المراكبي" على أن هذه الصور، تكشف ما أحدثته الجاهلية من بدع في مناسك الحج، حتى حال بها الإيمان إلى الشرك، واقترنت فيها العبادة بالخرافة، وشاهت مناسك إبراهيم الحنيفية فصارت إلى نحو ما كان، ولتظهر باستقراء ما سبق، عشرات المواطن التي خالف فيها الإسلام دين الجاهلية، ما يعد دليلا واضحا على أصالة التشريع الإسلامي وتميزه، وعلى بيان زيف الادعاء باقتباس التشريع الإسلامي من التقاليد العربية، فهذا منسك توارثته العرب من لدن إبراهيم عليه السلام، فعاثوا فيه تبديلا وتحريفا.

دلالات الحج ووحدة الأمة

وتحدث الدكتور علي محمد البيومي صادق، أستاذ الحديث الشريف بجامعة الأزهر، عن مظاهر دلالات الحج على وحدة الأمة الإسلامية، موضحا أن الله سبحانه وتعالى فرض (الوحدة) على أفراد وجماعات ودول الأمة الإسلامية، فقال تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [آل عمران: 103] وقال تعالى: {أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} [الشورى: 13]. وعن أبي هريرة – رضي الله عنه – أن رسول الله قال: "إِنَّ اللهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلَاثًا، وَيَكْرَهُ لَكُمْ ثَلَاثًا، فَيَرْضَى لَكُمْ: أَنْ تَعْبُدُوهُ، وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا، وَيَكْرَهُ لَكُمْ: قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةِ الْمَالِ" [أخرجه مسلم في صحيحه (1715)].

وتابع أن الناظر إلى الحج ليظهر له جليا أن فريضة تدل وتدعو وتنادي بوحدة الأمة، ففي الحج: وحدة المكان، ووحدة الزمان، ووحدة النداء، ووحدة اللباس، فأما وحدة المكان: فقد قال تعالى: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ} [البقرة: 198]. وقال تعالى: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} [البقرة: 199]. فـ (عرفات) هو مكان الوقوف والإفاضة لجميع الناس، أيا كانت قبيلة الحاج أو دولته أو لونه أو لغته أو مكانته الاجتماعية، تقول أم المؤمنين عائشة – رضي الله عنها-: «َانَتْ قُرَيْشٌ وَمَنْ دَانَ دِينَهَا يَقِفُونَ بِالْمُزْدَلِفَةِ، وَكَانُوا يُسَمَّوْنَ الحُمْسَ، وَكَانَ سَائِرُ العَرَبِ يَقِفُونَ بِعَرَفَاتٍ، فَلَمَّا جَاءَ الإِسْلاَمُ أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَأْتِيَ عَرَفَاتٍ، ثُمَّ يَقِفَ بِهَا، ثُمَّ يُفِيضَ مِنْهَا» فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} [البقرة: 199]. قال الإمام ابن بطال: "وقد اتفق أهل السير أن العرب كانت تفترق فرقتين، فرقة تقف بعرفة، وكانت قريش تقف بالمشعر الحرام، وتقول نحن الحمس، ولا تعظم غير الحرم". وبهذا يتضح أن الإسلام هدم بوحدة المكان في الحج ما كان العرب عليه من الفرقة والتفرق في مكان الوقوف، وهذا يشير إلى وجوب وحدة (الموقف) من قضايا الأمة الكبرى.

وأكمل أستاذ الحديث الشريف بجامعة الأزه، أما وحدة الزمان: فالحج كما قال الله تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} [البقرة: 197]. وقال تعالى: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ * إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} [التوبة: 36 – 37] وقد أعلن النبيحين خطب في حجة الوداع فقال: "الزَّمَانُ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلاَثَةٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو القَعْدَةِ وَذُو الحِجَّةِ وَالمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ" [صحيح البخاري (3197)]..

وأشار إلى أن المشركين قبل الإسلام كانوا يتلاعبون بالمواقيت الزمنية، ويغيرون الأشهر الحرم بحسب أهوائهم في استحلال القتال، ولكن لما جاء الإسلام ضبط تلك المواقيت وحددها، ووحد توقيت العبادة في شهر معين، ويوم معين، وفي هذا إشارة جليلة لوحدة الأمة الإسلامية، وأما وحدة النداء: فقد أخرج البخاري في صحيحه (1549) من حديث عبدالله بن عمر – رضي الله عنهما أَنَّ تَلْبِيَةَ رَسُولِ اللَّهِصلى الله عليه وسلم:لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالمُلْكَ، لاَ شَرِيكَ لَكَ".

والتلبية لفظ مثنى، يدل على التعدد، ومعناه عند أكثر علماء اللغة: إقامة بعد إقامة، وإجابة بعد إجابة، فالمراد: أن الحجاج يعلنون كلمة التوحيد مستجبيبن لربهم إجابة بعد إجابة، ومقيمين على طاعته بعد إقامة، معترفين بنعمته عليهم، ووحدانيته، ففي هذا إعلان عام لعقيدة الأمة الإسلامية، وأنها على التوحيد الذي يجب ما قبله، وفي هذا إشارة إلى وجوب وحدة هذه الأمة التي تعبدالها واحدا {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 91]، وأما وحدة اللباس: ففي صحيح البخاري (1543) عَنْ عبداللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا يَلْبَسُ المُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لاَ يَلْبَسُ القُمُصَ، وَلاَ العَمَائِمَ، وَلاَ السَّرَاوِيلاَتِ، وَلاَ البَرَانِسَ، وَلاَ الخِفَافَ إِلَّا أَحَدٌ لاَ يَجِدُ نَعْلَيْنِ، فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ، وَلاَ تَلْبَسُوا مِنَ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ أَوْ وَرْسٌ".

وأضاف: "فالحاج إذا أحرم بالحج وجب عليه أن يتجرد من ثيابه التي يعيش فيها في بلده ومجتمعه، وربما يفتخر بها، ويستدل بها على حالاته المادية والاجتماعية، فإذا أحرم بالحج تجرد من ذلك كله ولبس ملابس الإحرام فلبس الإزار والرداء الأبيض، فاستوى الناس جميعهم في موقف الحج، وتوحدث ملابسهم، وزالت الفروقات بينهم، وهذا مشهد مهيب يدل على وجوب توحد الأمة الإسلامية حتى تعود لسابق عزها ومجدها ورفعتها، وحتى لا يتسلط عليها أعداؤها، وقد قال الله تعالى: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال: 46].

وفي سنن أبي داود بإسناد حسن من حديث ثوبان أن النبيصلى الله عليه وسلمقال: «يُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا»، فَقَالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: «بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزَعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ، وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنَ»، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الْوَهْنُ؟ قَالَ: «حُبُّ الدُّنْيَا، وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ».

وتابع أستاذ الحديث الشريف بجامعة الأزهر، إن موسم الحج يذكرنا بهذه القضية العظيمة (قضية الوحدة) وحدة الأمة الإسلامية، وما أحوجنا إلى هذه الوحدة في ظل هذه الظروف العصيبة التي عصفت بالأمة الإسلامية فمزقتها وتسلطت على ضعفائها فأذاقتهم الويلات، فحري بنا أن نعمل على عودة هذه الوحدة التي تحفظ للأمة كرامتها وقيادتها وسيادتها.

مقاصد الرحلة المباركة

بدوره، تطرق د. أحمد خيري أحمد عضو هيئة التدريس بجامعة الأزهر وعضو لجنة الفتوى الرئيسة بالجامع الأزهر إلى أن فريضة الحج أحد أركان الإسلام ومبانيه، فهي عبادة العمر، وختام الأمر، وكمال الإسلام، وتمام الدين، ففي كل عام تحن قلوب المسلمين من مشارق الأرض ومغاربها وتهفو نفوسهم إلى زيارة البيت العتيق؛ تلبية لنداء الخليل إبراهيم عليه السلام الذي أُمر بتبليغ الناس كافة؛ حيث قال الله تعالى له: "وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ"، ولِعظم هذا الركن ومكانته أفرد الله تعالى له سورة كاملة في كتابه الحكيم فصَّل فيها أعمال الحج وبسط تفاصيلها وأحوالها.

والذي يقف عند هذه الآيات متدبرًا ما جاء فيها يلحظ أنها ليست رحلة تُقطع فيها الفيافي والطرقات لغرض إعنات المسلم وتكليفه، بل الأمر أكبر من ذلك، فإن هذه الآيات تناولت مقاصد الرحلة المباركة تلك الرحلة التي تُقطع بالأرواح والأفئدة قبل الأبدان؛ تلبية ثانية لخليل الرحمن الذي دعا ربه قائلاً: "فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ" ومن جملة هذه المقاصد التي أوضحها الذكر الحكيم:

-الغاية من بناء البيت: إن بيت الله وحرمه ليس بناءً عاديًّا يُهتم لأمر تنسيقه وتشييده وحسب، بل هو بناء أساسه في النفوس، ودعائمه في القلوب؛ والمقصد من إنشائه تحقيق توحيد الخالق سبحانه، ويظهر ذلك جليًّا واضحًّا في اقتران الأمر ببناء البيت بالنهي عن الإشراك بالله تعالى، حيث يقول جل شأنه: "وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا". فكأنه نداء الله تعالى لحجاج بيته وقُصاده، بأن يجعلوا العزم خالصًا لربهم، بعيدًا عن شوائب السمعة والرياء.

-تحقيق معنى الانقياد والعبودية: يتجلى ذلك في استجابة الحاج لأركان الحج وسننه وشرائطه منقادًا لأمر ربه، ومتأسيًا بسيدنا رسول الله؛ حتى مع غياب حِكمة بعض الأعمال عنه إلا أنه يُقبل عليها بطمأنينة وارتياح؛ محبة لسيده وانقيادًا وإجلالاً.

-تعظيم شعائر الله تعالى في نفوس المسلمين: فشعائر الله هي أعلام دينه الظاهرة وأوامره ونواهيه التي تَعبَدنا بها، وتعظيمها علامة على قرب العبد من ربه، ودليل ساطع على تقواه، وهي مقصد عظيم من مقاصد الحج؛ فالمسلم عندما يعتاد على تعظيم شعائر الله المتمثلة في أعمال الحج فإنّ ذلك يربي في نفسه تعظيم أوامر الله وتقواه في كلّ وقت؛ لذلك قال ربنا في ذيل الحديث عن أعمال الحج: "ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ".

-التنبيه على ضرورة الاستعداد للآخرة: حيث قال ربنا: "وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ". فقد نبه الله تعالى عباده بضرورة التزود في سفرهم لتلك الرحلة المباركة بكفايتهم ومؤنتهم، ثم أكد عليهم أن التزود للآخرة أولى وآكد، فكما أنه لا يصل المسافر إلى مقصده إلا بزاد يبلغه إياه، فكذلك المسافر إلى الله تعالى والدار الآخرة لا يصل إلّا بزاد من التقوى.

- التأكيد على روح المساواة بين جميع الناس: "فالإسلام دين المساواة وهذا يظهر واضحًا في اجتماع الناس للصلاة واجتماعهم للحج حيث يقف الغني بجوار الفقير والعربي بجوار العجمي في صعيد واحد بثياب واحدة، فقد قال تعالى: "ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ".

نصائح طبية

في هذا الإطار، يكشف الدكتور محمد عز العرب أستاذ الباطنة بالمعهد القومي المصري للكبد والأمراض المعدية، أن هناك جملة من النصائح، على الحجاج اتخاذها في الحسبان، خاصة مع الإجهاد البدني الكبير خلال أداء المناسك، وفي هذا الجانب يقول الدكتور عز العرب إنه يجب التجهيز الطبي الجيد للحجاج قبل الحج، عن طريق تناول التطعيمات اللازمة، خاصة كبار السن والمصابين بأمراض مزمنة، وذلك بسبب وجود فرصة أكبر لانتقال الأمراض المعدية، بسبب كثافة الأعداد التي تصل إلى 3 ملايين حاج، ما يمكن أن يتسبب في انتشار العدوى بشكل سريع.

كما نبه على عدة نصائح، للحجاج المصابين بأمراض مزمنة، فإذا كنت تعاني من مرض الضغط، فيجب عدم التعرض لأشعة الشمس مباشرة، وإن كان فيجب عدم الإطالة، لأن هذا يتسبب في رفع ضغط الدم، ويلزم كذلك قياس ضغط الدم فورا عند الشعور بأي تعب.

وكشف أستاذ الباطنة بالمعهد القومي المصري للكبد والأمراض المعدية، أنه يجب كذلك استشارة الطبيب الخاص، كي يوجه بما يجب فعله، وما هي جرعات الأدوية المناسبة خلال اليوم، وهل تزيد أم تنقص، مع توفر الأدوية بشكل دائم بالقرب من مريض الضغط، ومما يحسن كذلك تقليل الأطعمة التي تحتوي على الصوديوم، واتباع نظام غذائي معتدل.

أما بشأن مرضى الجهاز التنفسي من الحجاج، فأكد أنه يجب نظافة اليدين باستمرار لمنع انتشار الأمراض، وكذلك للوقاية منها، وهي وسيلة فعالة لتجنب الأمراض المعدية، مع ارتداء قفازات باليد، وتعقيم اليدين، وتطبيق تباعد بقدر مطلوب وارتداء كمامات، وتغطية الفم والأنف عند العطس أو السعال، وكشف أنه في حال وجود لقاح معين، يجب تناوله، لأنه أمر مهم في هذه الحالة، مع شرط استشارة الطبيب المختص.

وقال إن أكثر النصائح إلحاحًا، هي ما كانت متعلقة بمرضى السكر، فيجب الحفاظ على نمط تناول العلاج، وتناول الإنسولين مع متابعة الطبيب، حتى يحدد الجرعات المناسبة، كما أنه من الضروري، عدم التردد في طلب المساعدة الطبية سريعا عند الحاجة، مع الاعتناء بالنظام الغذائي بشكل حازم.

وكشف ضرورة تجنب الجروح والإصابات، ومتابعتها باستمرار حال حدوثها، وأيضا الحفاظ على سلامة الجهاز التنفسي من الالتهابات، لأنها تسبب ارتفاع السكر، موضحا أنه يجب الحفاظ على مواعيد الطعام، حتى لا ينتكس السكر، مع ارتداء أحذية مناسبة بسبب كثرة الحركة وارتفاع درجة الحرارة، مع اصطحاب جهاز قياس السكري في الدم.

إجراءات وضوابط

وفي هذا الإطار، لفت أيمن كامل عضو الجمعية العمومية لشركات السياحة بغرفة السياحة، إلى ضرورة اتباع تعليمات المشرفين المرافقين للحجاج، فيما يتعلق بالأمور التنظيمية والإشرافية نظرا للأعداد الضخمة التي تشهدها المناسك، من سبيل الالتزام بقواعد التسكين، وارتداء البطاقات التعريفية، وعدم إهمالها لأن هذه البطاقة هي التي ستمكن الحاج من دخول الخيام، كما أنها ستحميه من خطر التعرض لسؤال السلطات السعودية عن "بطاقة نسك"، وهل هو حاج رسمي أم حاج زيارة؟، محذرا الحجاج غير الرسميين والذين يتوجهون للمملكة بتأشيرة زيارة ثم يؤدون مناسك الحج، لأن السلطات المختصة تتبع إجراءات بالغة الشدة هذا العام لأن هذه الظاهرة زادت بكثافة ولا بد من وضع حد لها، موضحا أنه تتم إجراءات تفتيش في كل مكان، وليس في الشوارع فقط، حتى الفنادق والمساكن يتم تفتيشها، وحال العثور على مخالفين يتم إخراجهم من مكة إلى جدة، حتى انتهاء مناسك الحج، وليس خارج البلاد لأن بحوزة الزائر منهم تأشيرة رسمية وسارية، فالسلطات لن تخالف تأشيرة منحتها، ولكن لن يذهب المخالف للمشاعر، لأن لها طاقة استيعابية وكل دولة إسلامية لها أعداد معينة في أداء الحج كل عام، فأي خلل يًحدث مشكلات تنظيمية كبيرة، ويؤدي إلى عرقلة الخطوات الإجرائية في أداء المناسك.

كما شدد عضو الجمعية العمومية لشركات السياحة، على ضرورة الالتزام بالمقاعد المخصصة في الحافلات، بسبب أن أي تأخير أو اضطراب يؤدي إلى مشاكل كبيرة فيما يتعلق بالوقت وأداء المناسك، مشددا في حال التعرض لأي مشكلة التوجه للمشرف فورا، إنجازا للوقت وسعيا في حلها بشكل سريع، سواء كانت مشكلة إجرائية متعلقة بوضع الحاج نفسه، أو مشكلة طبية تعود للحالة الصحية وما قد يطرأ عليها خاصة لمن يعانون من أمراض مزمنة أو من هم من كبار السن.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

جامعة ولاية سونورا بالمكسيك تمنح عبد الوهاب زايد الدكتوراه الفخرية

سونورا – الوعي الشبابي: منحت جامعة ولاية سونورا بالولايات المتحدة المكسيكية شهادة الدكتوراه ...

تربية إبداعية لأبنائك.. كيف؟

رويدا محمد - كاتبة وباحثة تربوية: يعرف الإبداع بأنه النشاط الإنساني المختلف عن المألوف، والذي يؤدي ...

مواجهة الإلحاد بالعلم والعقل والدين.. كتاب جديد للدكتور خالد راتب

القاهرة – الوعي الشبابي: أصدر الدكتور خالد محمد راتب، مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر ...

اتصل بنا

  • صندوق البريد: 23667 الصفاة 13097 - الكويت
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
  • 22467132 - 22470156

عندك سؤال